أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

307

التوحيد

إلى وجوده لظهور بطلانه إذ الكلام في الماهيات الممكنة دون الواجب والممتنع ، وأيضا لو صح نفي هذا الإمكان عن البسيط بما ذكر لانتفى عنه الوجوب والامتناع أيضا ، لأنهما نسبة كالإمكان بل أرادوا به حاجته في حد ذاته كما في المركب ، وحينئذ يندفع الجواب عنه بما ذكر من أن عروض الإمكان البسيط لا يقتضي اثنينية في ذاته انتهى كلامه ، فإذا كانت الماهيات غير مجعولة في أنفسها مع قطع النظر عن وجودها فلا وجود لها في حد ذاتها . والوجود طارئ عليها وهو إشراق نور الرب عليها كما قدمناه في قوله تعالى وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وقوله اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فالوجود واحد لا وجود غيره وهو المطلوب ( لا تعدد له ) أي للوجود ( أصلا ) أي لا باعتبار ذاته ولا باعتبار صفاته أي صفات الوجود لا توجب تعددا حقيقة في الوجود لأنها أمر اعتباري فالتعدد اعتباري ( وإنما التعدد ) واقع ( في الصفات ) التي للوجود ( على ما يشهد به ذوق العارفين ) من أهل اللّه تعالى ( ووجدانهم ) أي إدراكهم وصفات الوجود هي تلك الاعتبارات الإلهية المذكورة فيما تقدم . فصل ( و ) اعلموا أيضا ( أن العبودية ) وهو الرضا بأفعال الرب كما أن العبادة هي فعل ما يرضى ، به الرب والعبودية رضاء الرب بما يفعل قال لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ فإذا كان الرضا منك والفعل من الرب فهي العبودية ، وإذا كان بعكس هذا الفعل منك والرضا من الرب فهي العبادة ، وإذا كان الفعل والرضا كلاهما من الرب فهي العبودة ( والتكاليف ) كلها من الأوامر والنواهي ( والراحة ) التي يجدها العبد في الدنيا والآخرة ( والعذاب والآلام ) التي يجدها العبد كذلك في الدنيا والآخرة ( كلها ) أي ما ذكر أمور ممكنة ( راجعة إلى التعينات ) أي هي اعتبارات أيضا من جملة أحوال الاعتبارات الممكنة المذكورة فيما تقدم ، فليست راجعة إلى الوجود بل لا وجود لها مع الوجود كباقي الاعتبارات الممكنة المذكورة سابقا . ( و ) اعلموا أيضا ( أن ذلك الوجود ) المذكور ( باعتبار مرتبة الإطلاق ) التي له ( منزه ) أي متباعد غاية التباعد ( عن هذه الأشياء كلها ) لعدم وجودها بالنسبة إليه ، فكما أنه منزه عن الاتصاف بهذه العوالم كلها التي هي اعتباراته الكونية ، فهذه العوالم كلها التي هي اعتباراته الكونية منزهة أيضا عن الاتصاف به ، فلا شيء منها بموجود أي متصف بالوجود وليس هو بمتصف بشيء من ذلك أصلا . فصل ( و ) اعلموا أيضا ( أن ذلك الوجود ) المذكور ( محيط ) من جميع الوجوه ( بجميع